ابن عربي

310

مجموعه رسائل ابن عربي

واسطة فيما صرفت وتبيّن قبك سقوط الدعوى والافتقار ويرقى بك إلى منازل المقربين والأبرار فشاهدت من الأسرار على قدر ما وهب لك الواهب قال اللّه تعالى : وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ فمن ألقى إرادة نفسه في بحر إرادة مورده وميدانها تولاها بلطف حكمته وأجرى عليها سابق عنايته فأحياها حياة السعادة والتمليك فامتحق كل زور وباطل وخنس من دلاه بغرور وردت إليه بعد ما ألقاها وحصل لها الشرف الكامل على أبناء جنسها فتلك النفس المطمئنة الراضية المرضية الداخلة في عباد الاختصاص وفي الفراديس العلية جوار الرحمن وكانت يداه مبسوطتان تنفق كيف تشاء لأنها في محل الكشف لا تتحرك إلّا عن الإذن . ومن كرامات صاحب هذا المقام إدخاله يده في جيبه فتخرج بيضاء من غيره كما كان هذا لموسى ( ع ) ونبع الماء من بين الأصابع كما كان هذا لمحمد ( ص ) ورمي التراب في وجه الأعداء فانهزموا وقبض من شاء اللّه تعالى من الأولياء في الهواء فيفتح عن فضة وذهب إلى أمثال هذا المنزل يرتقي العبد بعد تخلقه بما وصفناه آنفا إلى عالم الغيب فيشاهد اليمين ماسكة قلمها وهي تخطط العالم في لوح الوجود المحفوظ حرفا حرفا مشكولا منقوطا لتمييز الحقائق بين المتماثلات والأشكال كالأنواع مثل صبغة الإنسان مثلا والنوع ذوات الأربع وذوات الجناح وكذلك أصناف الجمادات مع الحيوانات والحيوانات ما بين الناميات وغير الناميات فأمثال متفرقة بذواتها لم تحتج إلى نقطة وما اشترك في النوع احتاج إلى فصل في الأشخاص بأمر عرضي كالزاهد والعابد والصوفي والفاسق والكافر والمؤمن وفي طريقتنا كالرباني والرحماني والإلهي وفي المقامات كالملكوتي والجبروتي والملكي فلا يزال صاحب هذا المقام ينظر في ذلك التخطيط والتشريف وإيجاد تلك الحروف على إبداع نظام بأحسن رقم في أحسن لوح فإذا طال عليه النظر في جزئيات الكون وهي كثيرة والعمر قصير والوقت عزيز والعبد مشتغل بتحصيله بث اللّه في نفسه التضرع والابتهال والرغبة إلى اللّه تعالى إلى أن ينقله إلى مقام ينحصر له فيه جميع الموجودات كلها ليأخذ الحكم دفعة فيعيش بها في أوقاته فإذا صدقت هذه الهمة منه وتعلقت بالحق لذلك وقالت لو اختصرت لي معانيه على الكمال في شيء محصور تحيط به العين في لحظة واحدة على الدوام لا فقده فإنك قد تردني لعالم الشهادة فأغيب عن هذه المنازل العلية قال اللّه تعالى يا أيتها الهمة لك ذلك فينفتح له باب إلى مشاهدة نفسه فيشاهد اليمين تصقل نفسه الزكية ومرآة قلبه الكريم فما زال يشهدها حتى إذا صقلت وزال صداها ورانها امتدت يد